محمد طاهر الكردي

28

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

إن نشاطه الواضح قد أكسبه تجارب واسعة وخبرا جمة وشهرة مميزة ومكانة في بلده أهلّته لكي ينتخب عضوا في اللجنة التنفيذية لتوسعة وعمارة المسجد الحرام التي بدأت العمل سنة 1375 ه ( 1955 م ) وصار أيضا رئيس قسم التأليف والآثار التاريخية لمكتب مشروع التوسعة وقد استمر فيها حتى إحالته على التقاعد حسب رغبته لكي يتفرغ لإتمام مؤلفاته التي تربو على الأربعين مؤلفا بين مطبوع ومخطوط ، وقد قررت الحكومة السعودية طبع جميع مؤلفاته سنة 1393 ه ( 1973 م ) فأحالتها إلى لجنة خاصة لدراستها ولكنها لم تطبع لكثرتها وقد عوّض عن ذلك بمكافأة نقدية ، وقد تأثر من ذلك وانتابه شعور بالإحباط ، خاصة وأنه لم يكن في عمر ولا حالة صحية تمكنه من الاهتمام بها ، وأن نشاطه المعتاد قد تحدد فترك مواصلة الخط بشكل نهائي وأهدى جميع أدواته ومواده إلى أصدقائه في مصر ، انقطع بعدها للعبادة وبعض المراجعات لما ألّفه وخاصة كتابه تاريخ الخط الذي توفرت له مادة جديدة فيه ، ولقاءات الخطاطين الذين يفدون حجّاجا أو معتمرين إلى مكة المكرمة من كافة أرجاء العالم الإسلامي ومحبّيه ممن جذبتهم كتاباته ، يتبادل معهم الخطوط والمعلومات والهدايا . وهكذا عاش سنواته الأخيرة في دفء العلاقات الحميمة مع الأفراد الذين تعرف عليهم واستمرت صلته بهم بإخلاص ومحبة متبادلة عن طريق اللقاءات في المناسبات ومواصلة ذلك بالمراسلات ، وقد كانت طيبته وبساطته المحببة ووفاؤه النادر وطبيعته الودودة ونوازعه الخيّرة تعطي الديمومة لهذه العلاقات حتى وفاته . وقد جرى اقتراح بإقامة حفل تكريمي له قبيل وفاته عن طريق الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون باعتباره أول مفكر سعودي وأول خطاط في المملكة وأنه قام بتأليف عدد كبير من الكتب في مختلف ألوان الأدب والفنون ، وهذه لا شك التفاتة كريمة ، وإن جاءت متأخرة ، فقد كان - رحمه اللّه - متعدد الآفاق متنوّع الاتجاهات ، وقد ترك في الخط نتاجات تخلده ، في مقدمتها خطه المصحف الكريم الذي أطلق عليه خ خ مصحف مكة المكرمة وهو أول مصحف طبع في مكة المشرفة ، وكتب بيده كثيرا على حبوب القمح والرز كتابات دقيقة من سور القرآن الكريم وبعض الأشعار ، وكذلك رسم خريطة مفصّلة للأقطار العربية بحجم طابع البريد وقد أهدى من كل ذلك للمتاحف ودور الكتب في مختلف الأقطار . وأصدر كراريس لتعليم الخط بدأ بإعدادها حينما كان يدرس هذه المادة في مدرسة الفلاح